مراسلة تلفزيون فلسطين إسلام الزعنون تسجل لحظات مؤلمة من رحلة خروجها من غزة

مراسلة تلفزيون فلسطين إسلام الزعنون تسجل لحظات مؤلمة من رحلة خروجها من غزة
سفر ٌ بلا عنوان، ومسافرون بلا حدود، وجوازات بلا أختام… والثمن النجاة
عند تمام الساعة الثانية عصر يوم الأحد الماضي، وصلني إشعار بالتوجه إلى المستشفى الأردني مساءً. لم أتمكن من وداع جميع أفراد عائلتي. عند السادسة مساءً، استقليت سيارة والدموع تملأ المقل، والذاكرة مثقلة بهموم الأرض وخساراتها. اختصرت ما تبقى من حياة فقدنا فيها كل شيء، بثلاث حقائب ظهر، تحوي غيارات للأطفال وأوراقًا ضرورية. لكن عند وصولي إلى المشفى في خانيونس، رُفض إدخال الحقائب حسب تعليمات الاحتلال. اضطررت للتخلي حتى عن غيار طفلتي الصغيرة، وبدأت رحلتي في مغادرةٍ تشبه النفي، ككائن ملفوظ من أرضه، يحمل هويةً تعني الترحال والشتات.
جلسنا في معسكر للجيش، على حجارة يتناوب العاملون فيه لإلقاء التعليمات الصارمة خشية حدوث أي عرقلة من الجانب الإسرائيلي. الجميع تخلّى حتى عن دوائه. نُقلنا بين خيام المشفى إلى باصات مكيّفة للانتظار داخلها مدة 12 ساعة. دخول دورة المياه كان يتطلب مرافقة أحد العاملين. تكررت التعليمات مرارًا: عند الساعة 7:30 صباحًا، وبعد التشييك عدة مرات، جاءت تعليمات مختلفة:
*”يُمنع النظر من النوافذ، أو رفع الستائر، أو التصوير خلال مرورنا بخانيونس ورفح، حتى الخروج من كرم أبو سالم.”*
انطلقت خمس حافلات تتقدمها سيارات المستشفى الأردني والأمن. عند الخط الأصفر في خانيونس، توقفت الحافلات لنحو ساعتين بانتظار التنسيق للدخول إلى المناطق العسكرية. فجأة، طُلب من السائقين الرجوع 400 متر. قيل لنا لاحقًا إن هناك *حدثًا أمنيًا* على شارع صلاح الدين.
*نحو الساعة 11 ظهرًا، تمكنا من قطع الخط الأصفر، وانطلقنا نحو رفح.*
وسط ذهول لم أشهد مثله، رأيت الكلاب الضالة تلاحق سيارة المستشفى الأردني بشكل مرعب. *عشرات الكلاب الوحشية… تلك التي نهشت جثامين الشهداء.*
تحركت الباصات بهدوء وخوف ثقيل، وكأن كل نفس داخلها محسوب. عبرنا شوارع خالية من الحياة، منازل مهدّمة، وآثار قصف لم تجف بعد. كان الصمت يخيّم على الجميع، لا أحد يجرؤ على الهمس، والعيون معلّقة على اللاشيء… فقط الخوف يُمسك بأطرافنا.
لم أتعرف على أي معلم في منطقة قضيت فيها ستة أشهر من النزوح. كانت خانيونس ورفح أنقاضًا. نحو ساعة ونصف من الصدمة أوصلتنا إلى معبر كرم أبو سالم، جنوب شرق رفح.
بدأت هنا *مرحلة التفتيش الأمني والتشييك في عدة محطات،* استغرقت قرابة أربع ساعات.
*ما آلمني أكثر كان مشهد الأمهات مع أطفالهن، بلا أزواج،* عاجزات عن ضبط سلوك الأطفال أو فهم التعليمات.
في تلك اللحظة، لم ننتصر. فقط خرجنا أحياء، نحمل على ظهورنا كل ما لم نستطع قوله، وكل من تركنا خلفنا، وكل ما تمزّق في أرواحنا.
بعد ذلك، نُقلنا إلى الحافلات التي ستقلّنا إلى الأردن عبر الجسر ، .
لأوّل مرة أخرج من غزة عبر هذا المسار، لألمح جَنّة الأرض، فلسطين المحتلة، من خلف زجاج الحافلة.
كانت المشاهد تمرّ خاطفة، تسرق القلب قبل النظر…
لكنّ الإضاءة العالية داخل الحافلة منعتني من التحديق طويلًا، وكأن شيئًا ما يتعمّد حرماني حتى من لحظة الوداع البصري لهذا الوطن المنكوب.
لم أرَ هذا المشهد منذ أكثر من عامين ولا قبل ذلك .
*وصلنا الأردن بحدود التاسعة مساءً، بتوقيت عمّان.*
سمح لنا أخيرًا بتناول الطعام، بعد 26 ساعة لم يتناول فيها أطفالي سوى الماء.
استلمنا جوازات السفر والهويات، ثم انتقلنا إلى المدينة الطبية بعد منتصف الليل. ومن هناك، تفرّق الجميع إلى وجهته.