سلام فياض وياسر عبد ربه في ملفات إبستين
سلام فياض وياسر عبد ربه في ملفات إبستين
لم يكن اسم جيفري إبستين عابرًا في التاريخ السياسي الحديث. الرجل الذي سقط لاحقًا كأحد أخطر المتورطين في قضايا استغلال وابتزاز عابرة للحدود، لم يصنع نفوذه من فراغ، بل بنى شبكة علاقات معقّدة داخل النخب السياسية والدبلوماسية حول العالم. شبكة لا تزال وثائقها، حتى اليوم، تطرح أسئلة ثقيلة لا يمكن القفز عنها.
ضمن ما عُرف إعلاميًا بـ«ملفات إبستين»، تظهر مراسلات بريد إلكتروني تعود إلى عام 2010، تتضمن قوائم مدعوين لاجتماع دولي رفيع المستوى عُقد في جزيرة سير بني ياس بالإمارات. القوائم تضم وزراء خارجية، رؤساء حكومات، ومسؤولين دوليين كبارًا. لكن اللافت، والمثير للتساؤل، هو حضور أسماء فلسطينية مركزية في تلك المرحلة المفصلية من التاريخ السياسي الفلسطيني.
في الوثائق، يرد اسم سلام فياض بصفته رئيس وزراء السلطة الفلسطينية آنذاك، واسم ياسر عبد ربه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ظهور هذين الاسمين في مراسلات مرتبطة مباشرة بشخصية مثل إبستين لا يمكن التعامل معه كمسألة تقنية أو بروتوكولية بحتة، خاصة إذا ما وُضع في سياق أوسع: من هو إبستين؟ وكيف كان يعمل؟ ولماذا كان حريصًا على التواجد في قلب دوائر القرار؟
إبستين لم يكن دبلوماسيًا رسميًا، ولا ممثلًا لمنظمة دولية، ولا صاحب صفة سياسية معلنة. ومع ذلك، كان حاضرًا في تنظيم لقاءات تضم قادة دول، ووزراء خارجية، ومسؤولين أمنيين، وشخصيات نافذة. هذا وحده يفتح الباب أمام سؤال جوهري: من منح هذا الرجل شرعية الوصول؟ ومن اعتبر التعامل معه أمرًا طبيعيًا أو مقبولًا؟
الأخطر من مجرد ورود الأسماء، هو غياب أي نقاش علني فلسطيني لاحق حول طبيعة هذه اللقاءات، وأهدافها، والجهات التي كانت تقف خلف تنظيمها. في مرحلة كانت القضية الفلسطينية فيها تمر بتحولات حساسة، ويُعاد فيها رسم شكل القيادة والعلاقة مع الإقليم والعالم، يصبح الصمت بحد ذاته موقفًا سياسيًا يستحق المساءلة.
هل كانت المشاركة الفلسطينية جزءًا من مسار سياسي واضح وشفاف؟
أم أن القرار الفلسطيني كان يُدار، كعادته، داخل دوائر ضيقة، بعيدًا عن أي رقابة شعبية أو مساءلة وطنية؟
إن وضع أسماء مثل سلام فياض وياسر عبد ربه في سياق ملفات إبستين لا يعني الاكتفاء بالدهشة أو الإنكار، بل يفرض نقاشًا سياسيًا وأخلاقيًا صريحًا حول طبيعة النخبة الحاكمة، وحدود علاقاتها، ومن يقرر باسم الشعب الفلسطيني أين يجلس ومع من.
القضية هنا ليست قانونية فقط، بل قضية نمط حكم: نمط يسمح بتداخل المال، النفوذ، والوساطات الغامضة مع القرار السياسي الفلسطيني، دون أي مساءلة لاحقة. وعندما ينكشف أحد أطراف هذه الشبكات كرمز عالمي للفساد والانحراف، يصبح من حق الفلسطينيين أن يسألوا: من كان هناك؟ ولماذا؟ وبأي صفة؟
ملفات إبستين، بهذا المعنى، لا تفضح شخصًا واحدًا فقط، بل تفضح عالمًا كاملًا من العلاقات الرمادية التي طالما أحاطت بالسياسة الدولية… وكان القرار الفلسطيني، للأسف، جزءًا من هذا المشهد.

سلام فياض وياسر عبد ربه في ملفات إبستين

